الاضطهاد المنظّم للشيعة في السعودية
بين الإعدامات والقيود اليومية والاشتباه الدائم
بقلم لجين خليل

تُقدَّم صورة السعودية إلى العالم عادةً عبر التحوّل الاقتصادي والمشاريع الكبرى والسياحة والترفيه والإصلاح الاجتماعي. نعم، هذه التغييرات حقيقية، لكنها لا تمتدّ إلى ميدان حقوق الإنسان والحريات العامة.
فالسعودية تستخدم مواردها لتبني واحداً من أكثر الأنظمة استبداداً في العالم وتحافظ عليه. البيئة الاجتماعية والسياسية والثقافية في الداخل مقيَّدة برؤى دينية وفهمٍ وثقافةٍ شديدة المحافظة، وإلى جانب ذلك هناك القيود المفروضة على أي نشاط سياسي، وعلى حق التجمّع والاحتجاج وحرية التعبير وما شابه.
صحيحٌ أنّ جميع المواطنين السعوديين يواجهون الضغط المهيمن نفسه، لكن هناك فئات في المجتمع تواجه ضغطاً أعلى وقيوداً أشدّ وانتهاكاتٍ أكثر من غيرها. في هذا المقال سنتناول الاضطهاد المنظَّم للشيعة في السعودية وقمعهم، من الدولة ومن المجتمع نفسه.
لماذا يهمّ هذا الأمر الآن
يهمّ لأنّ لا أحد يتحدّث عنه. إنه مدفونٌ في بعض التقارير الحقوقية الدولية لكنه لم ينل ما يستحقّه من اهتمام. والضغط قائمٌ الآن، لا في الماضي. ففي أيار/مايو 2026، أوردت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان أنّ السلطات السعودية شدّدت قبضتها على المواطنين الشيعة في المنطقة الشرقية خلال فترة توتر إقليمي، عبر اعتقالاتٍ واستدعاءاتٍ ومنعِ سفرٍ وحواجز أمنية جديدة. هذا توثيقٌ صادرٌ عن منظمة حقوقية لا حكمٌ قضائي، فلنقرأه على هذا الأساس، لكنّ النمط الذي يصفه هو المهم: كلما اشتدّ التوتر في المنطقة، وجّهت الدولة شكوكها نحو المواطنين الذين يربطهم انتماؤهم الديني، بحقٍّ أو بغير حق، بقوة إقليمية منافسة.
حتى وإن كان الشيعة جميعاً يخضعون للقوانين والإجراءات القمعية العامة نفسها، فهذا لا يعني أنّ كل شيعيّ في المنطقة الشرقية يُعامَل بالطريقة نفسها. فدين المرء يصبح أشدّ خطراً عليه حين يجتمع مع أمورٍ أخرى: أين يسكن، وتاريخ عائلته، وما يقوله علناً، وما ينشره على الإنترنت، والمجالس التي يحضرها، وأي احتكاكٍ سابقٍ له مع الأجهزة الأمنية.
الخطر الحقيقي أن يُنظر إلى كلٍّ من هذه الأمور بمعزلٍ عن غيره. فمنع السفر يُوصَف بأنه إجراءٌ إداريٌّ بسيط، والاستدعاء بأنه أمرٌ روتيني، وفقدان العمل بأنه مسألة اجتماعية لا قانونية، والجنازة التي حضرها المرء بأنها لا شيء، واعتقال قريبٍ له بأنه مشكلة ذلك القريب لا مشكلته هو. لكنّ هذه الأمور كلّها تقع على الشخص نفسه، ذاك الذي بات دينه وموقفه السياسي موضع شبهة، وحين تجمعها معاً تصبح الصورة أخطر بكثير مما يبدو عليه أيّ جزءٍ منها وحده.
قتل المعارضة، إعداماً تلو الآخر
الجزء الأوضح في هذا السجل، والأكثر وحشية، هو عقوبة الإعدام. ولا يمكن فصلها عن الدين، ولا عن المعارضة، ولا عن الطريقة التي تعامل بها الدولة أبناءها الشيعة في المنطقة الشرقية.
فقد بلغت الإعدامات في السعودية مستوياتٍ قياسية في عام 2025، إذ أُعدم أكثر من ثلاثمئة شخص منذ مطلع العام، من بينهم شبانٌ شيعة أُدينوا بتهمٍ تتصل باحتجاجاتٍ ومواكب عزاء تعود إلى زمنٍ كانوا فيه أطفالاً. ومن أبرز هذه الحالات عبد الله الدرازي وجلال اللباد، وقد أفادت منظماتٌ حقوقية بأنّ كليهما تعرّض للتعذيب في الاحتجاز.
فقد نفّذت السلطات حكم الإعدام بجلال اللباد في 21 آب/أغسطس 2025 عن أفعالٍ نُسبت إليه حين كان في الخامسة عشرة إلى السابعة عشرة من عمره. وتعود قضيته إلى مشاركته في احتجاجات القطيف عامي 2011 و2012 ضد التمييز الطائفي، وإلى حضوره جنازات من قتلتهم قوات الأمن. وقد صدر الحكم عن المحكمة الجزائية المتخصصة بعد محاكمةٍ غير عادلة استندت إلى اعترافاتٍ انتُزعت تحت التعذيب. ولم يكن وحده في عائلته: فقد أُعدم شقيقه من قبل، وصدر بحق شقيقٍ آخر حكمٌ بالإعدام.
هذه القضايا أكبر من عقوبة الإعدام وحدها. فهي تكشف كيف أنّ أمراً صغيراً، حين تُنزع عنه سياقاته، يُحوَّل بعد سنوات إلى تهمة إرهابٍ أو تهديدٍ للأمن الوطني: حضور جنازة، أو مشاركة مراهقٍ في احتجاج، أو مجرّد القرب من أناسٍ من طائفةٍ وضعت الدولة عليها علامة.
والتهمة نفسها زائفة. فحضور جنازة، أو ترديد هتاف، أو السير في مظاهرة وأنت مراهق، ليس إرهاباً بأيّ تعريفٍ جادّ. والتعريف الدولي المعتمد ضيّقٌ ومحدّد: فعلٌ يُقصد به قتل مدنيين أو إصابتهم إصاباتٍ بالغة بهدف ترهيب سكانٍ أو إجبار حكومةٍ على فعلٍ ما. ضع طرفَي هذه القضايا إلى جانب هذا التعريف. المراهقون لا ينطبق عليهم البتة، أما الدولة فينطبق عليها تماماً تقريباً؛ لأنّ إعدام أبناء أقلية وتعذيبهم لترهيب طائفةٍ بأكملها وكفّها عن المعارضة هو بالضبط عنفٌ يُقصد به ترهيب سكانٍ لغايةٍ سياسيةٍ ودينية. لقد وُضعت التسمية على الطرف الخطأ.
ما تسمّيه السعودية إرهاباً لمواطنيها الشيعة هو، بالمعنى الصريح، اضطهادٌ لهم، وهو لاتّساعه وتنظيمه يحمل في القانون الدولي أسماءً أثقل أيضاً: التعذيب، والقتل خارج نطاق القضاء، والجرائم ضد الإنسانية. لذا حين يقول ملفٌّ سعوديّ «إرهاب» أو «نشاط أمني» أو «دعم للإخلال بالنظام»، فإنّ الكلمات لا تقول لك شيئاً بذاتها. عليك أن تفتح الملف وتنظر فيما فعله الشخص فعلاً، وما الأدلة، وهل كانت المحاكمة عادلة، وكيف عُومل في الاحتجاز. وحين تفعل، يتبيّن أنّ ما سمّته الأوراق إرهاباً ليس إلا أمراً اعتيادياً لهذه الدولة: معاقبة الناس على دينهم وعلى رفعهم أصواتهم.
لكنّ عقوبة الإعدام ليست إلا الحدّ الأمضى من هذا كلّه. فغالبية الشيعة لن يقفوا يوماً أمام هذه المحاكم، ومع ذلك لا يُتركون وشأنهم. فللدولة، وللمجتمع من حولهم، وسائل أهدأ لتضييق الحياة، وهم يستخدمونها كل يوم.
ليست المسألة مَن يَقتلون فقط
الإعدامات هي ما ينتبه إليه العالم، إن انتبه أصلاً. لكن بالنسبة لغالبية الشيعة في السعودية، الاضطهاد ليس حكماً بالموت. إنه تضييقٌ بطيءٌ لما يُسمح لحياتهم أن تكونه، ويأتي من اتجاهين معاً: من الدولة فوقهم، ومن مجتمعٍ عُلِّم أن ينظر إليهم من عَلٍ.
ابدأ بالدين، لأنّ من هناك تبدأ الحكاية. فالشيعيّ لا يستطيع ببساطة أن يبني مسجداً أو حسينية حيث يقيم؛ فالإذن ضيّق، وخارج المنطقة الشرقية يكاد يكون مستحيلاً. والكتب والتعليم من تراثهم مقيَّدة، وعلماؤهم يُبعَدون، وحتى إحياء عاشوراء، أهمّ أيام سنتهم، مراقبٌ ومكبوح؛ ففي عام 2025 فرضت السلطات قيوداً مشدّدة على مجالس عاشوراء في القطيف. وقبل ذلك حاصرت بلدة العوامية عام 2017 وهدمت أجزاءً منها.
ثم هناك الحياة العادية. فالطفل الشيعيّ يكبر وهو يقرأ في المناهج ما يصف معتقده بالانحراف. ويبحث عن عمل في بلدٍ تُفهم فيه المناصب الجيدة، في الحكومة والجيش والأجهزة الأمنية، على أنها مغلقة أمام أمثاله. والمنطقة الشرقية التي يقوم عليها النفط الذي أثرى المملكة تبقى من أكثر أطرافها إهمالاً. لا شيء من هذا سرّيّ؛ إنه ببساطة الشكل الطبيعيّ لحياة شيعية.
والدولة ليست وحدها من يفعل هذا، فالازدراء اجتماعيٌّ أيضاً. إنه في كلمة «رافضة» التي تُرمى في وجوههم، وفي طريقة الحديث عن طائفتهم على الإنترنت ومن على المنابر، وفي يقين الجيران الهادئ بأنهم ليسوا مواطنين كاملين تماماً. يمكن دفع المرء إلى هامش مجتمعه دون اعتقالٍ واحد، بمجرّد تذكيره كل يوم بأنه لا ينتمي تماماً.
خذ أيّاً من هذه الأمور وحده وسيقول لك أحدهم إنه ليس اضطهاداً، بل مجرّد مشقّة، أو تمييز، أو ثقافة. لكن لا أحد يعيش هذه الأمور واحداً تلو الآخر. الشيعيّ يعيشها كلّها، طوال عمرٍ كامل، فوق الاعتقالات والإعدامات التي تظلّ معلّقة فوق الطائفة. مجتمعةً، ليست هذه سوء حظ ولا مجرّد تحامل. إنها منظومة تقرّر، قبل أن يولد المرء، أنه سيكون أقلّ قيمة، وأكثر مراقبة، وغير موثوقٍ به أبداً. هذا اضطهاد، حتى حين لا يُقتل أحد.

كونك شيعياً هو السياق لا القضية
بالنسبة للشيعة الذين ينجحون في المغادرة ويطلبون الحماية في كندا، فإنّ القانون يعامل الدين بالفعل بوصفه سبباً للحماية. لكنّ كونك شيعياً ليس، بحدّ ذاته، قضية. فالدولة أصلاً تقرأ دين المرء وعائلته ومكان نشأته كعلاماتٍ على عدم الولاء، فيتشابك دينه وسياسته في نظر السلطات، وهناك تكمن قصته الحقيقية.
الخطأ الذي يكلّف الناس حمايتهم هو أن تُقدَّم القضية الخطأ، أن تقف وتقول: الشيعة مضطهَدون في السعودية، وأنا شيعيّ، إذاً أنا في خطر. والردّ السهل على ذلك أنّ ليس كلّ شيعيّ في البلاد في خطر، فلماذا أنت؟ القضية التي تصمد هي التي تدور حول حياةٍ واحدة لا حول طائفةٍ بأكملها. ماذا فعلوا بك، ومتى؟ ولماذا انتبهوا إليك: احتجاج، أو جنازة، أو شيءٌ كتبته، أو قريب، أو اسمٌ صار على قائمة؟ وما الذي ينتظرك إن عدت؟ اضطهاد الشيعة هو خلفية قصتك، لا القصة نفسها. الملفّ الذي يصلح لأيّ شيعيّ لا يخصّ أحداً.
الأدلة التي تصنع الفرق
غالباً ما تُربح القضية أو تُخسر بناءً على أدلةٍ يسهل فقدانها: الاستدعاءات وقرارات منع السفر، ورسائل الأقارب عن زيارات الشرطة، والصور من احتجاجٍ أو جنازة، وسجلّ ما جرى لآخرين من العائلة نفسها. والوقت المناسب لجمعها مبكّرٌ لا في اللحظة الأخيرة، لأنّ التواريخ والأسماء وتفاصيل الحسابات وصلات القرابة لا تزداد إلا صعوبةً في التثبّت منها مع مرور السنين، ولأنّ الأقارب الخائفين يتوقفون عن الردّ.
ثلاثة أمورٍ تهمّ في هذه الأدلة. احتفظ بها بصيغتها الأصلية، بتواريخها وسياقها، لا صوراً مقتطعة ومحادثاتٍ أُعيدت روايتها فلا تثير إلا الشكّ. ولا تبالغ، لأنّ خطراً حقيقياً لا يزداد إلا ضعفاً حين يُخلط بأمورٍ لا يمكن إثباتها أو تتبدّل من روايةٍ إلى أخرى. واربطها في تسلسلٍ زمنيٍّ واحد، بحيث تُظهر لماذا يعود اهتمام الدولة بهذا الشخص إلى دينه أو عائلته أو ما قاله وفعله. التقارير القُطرية قد تُظهر أنّ النمط موجود، أما ملفّ الشخص نفسه فعليه أن يُظهر أين يقف هو داخل ذلك النمط.
قراءاتٌ حديثةٌ مختارة
- المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان: على وقع التوتر الإقليمي، السعودية تصعّد إجراءاتها بحق المواطنين الشيعة في المنطقة الشرقية
- كردستان 24: ثلاثمئة إعدام في السعودية منذ بداية 2025 مع تنفيذ الحكم بمواطنٍ أُدين بالإرهاب
- لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان في الجزيرة العربية: حرية المعتقد تحت الحصار في السعودية
لجين خليل مستشار هجرة كنديّ معتمد (RCIC-IRB، ترخيص المجلس التنظيمي لمستشاري الهجرة والمواطنة رقم R522176) ومؤسِّس LMRT Immigration.
هذا المقال معلوماتٌ عامة وليس استشارةً قانونية. تُبَتّ طلبات اللجوء فردياً بحسب الأدلة والقانون المُطبَّق، ولا يمكن لأيّ ممثّلٍ ضمان نتيجة.